الشيخ محمد حسين الحائري
163
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
الذوق والتبادر وتفصيل المقام وتوضيح المرام أن لاسم الجنس في صحيح الاستعمال حالات إحداها أن يتجرد عن جميع اللواحق كما إذا كان غير منصرف كحمراء وصفراء فإذا قيل رأيت حمراء وأريد أن الرؤية وقعت على الفرد فإن أريد بحمراء نفس الجنس وأريدت الفردية بقرينة الرؤية أو غيرها كان حقيقة وإن أريد الفردية منه كان مجازا ومن هنا يظهر وجه ضعف آخر في السؤال المذكور الثانية أن يحلقه تنوين التمكن وهو يفيد تمامية الاسم فقط وهذا في المعنى يرجع إلى القسم السابق وأغلب ما يكون كذلك إذا كان اسم الجنس محمولا كقولك هذا رجل فإن الظاهر من مقام الحمل قصد الجنسية دون الفردية لعدم استقامة اعتبارها مع التساوي ولزومها للحمل مع أخصية الموضوع فيلغو اعتبارها في المحمول وكذا إذا قيل جاءني رجل لا امرأة في أحد الوجهين الثالثة أن يلحقه تنوين التنكير ويسمى حينئذ نكرة وقد يطلق النكرة على ما يتناول الأقسام الثلاثة ومدلولها فرد من الجنس لا بعينه بمعنى أن شيئا من الخصوصيات غير معتبر فيه على التعيين فيصح أن يجتمع مع كل تعيين لا أن عدم التعيين معتبر فيه فلا يجتمع مع تعيين وبالجملة تقييد الحقيقة بكل واحد من الافراد غير متعين بل بحيث يصلح أن يقع بدل كل فرد فرد آخر فتقييده تقييد ترديدي لا تعييني فالتقييد بالفرد المأخوذ في مدلوله ليس مفهوم التقييد باعتبار كونه مفهومه بل باعتبار كونه آلة لملاحظة حال الجنس ومنه يظهر أن مدلول النكرة جزئي وليس بكلي كما سبق إلى كثير من الأوهام فإن الجنس المأخوذ باعتبار كونه مقيدا بفرد أي متحدا معه جزئي لا غير ولا فرق فيما ذكرناه في تحقيق مدلول النكرة بين أن يكون الفرد معينا عند المتكلم كما في جاءني رجل أو عند المخاطب كما في أي رجل أتاك أو يكون غير معين عندهما كما في جئني برجل إذ التعيين الحاصل في المثالين الأولين زائد على مدلولها وخارج عنه ولهذا لو أريد بها معه كان مجازا ولا يتوهم أن اسم الجنس على هذا التقدير مستعمل في الفرد بل مستعمل في نفس مفهومه أعني الجنس وإن أطلق على الفرد لان التقييد بالفرد إنما يستفاد من التنوين وتحقيق المقام وتوضيحه أن إطلاق الكلي على الفرد يقع على وجهين أحدهما أن يطلق عليه باعتبار تحقق الطبيعة الكلية التي هي مدلول فيه كإطلاق الانسان على زيد باعتبار كونه إنسانا في قولك رأيت إنسانا وهذا حقيقة قطعا لان إطلاق اللفظ على فرد مفهومه بهذا الاعتبار إطلاق له على نفس مفهومه وعلى قياسه الاطلاق في الفرض المذكور الثاني أن يطلق عليه من حيث الخصوصية وهذا مجاز لان اللفظ غير موضوع له كذلك وهذا كما لو أطلق إنسان وأريد به زيد باعتبار خصوصيته والفرق بين الاطلاق أن اللفظ في الاطلاق الأول مستعمل في الطبيعة من حيث هي لان إطلاقه على الفرد باعتبار ما حل فيه من الطبيعة إطلاق له في الحقيقة على نفس تلك الطبيعة فيكون حقيقة إذ التقدير أن اللفظ موضوع بإزائها وفي الاطلاق الثاني مستعمل في المركب من الطبيعة وقيد الخصوصية أو التقييد بها واللفظ غير موضوع بإزائه بل بإزاء جزئه فاستعماله فيه استعمال له في غير ما وضع له بعلاقة الجزئية والكلية فيكون مجازا والمراد أنها غير موضوع له باعتبار وضعه للطبيعة من حيث هي وأنه مجاز باعتباره فلا ينافي كونه حقيقة فيه باعتبار وضع آخر كما لو كان اللفظ مشتركا بين الكلي والفرد وكذلك الحال في إطلاق المنون على فرد معين من مدلوله فإنه قد يطلق ويراد به الماهية المقيدة بفرد معين على أن يكون التعيين مرادا من غير لفظه فيكون حقيقة إذ لا يزيد مدلوله على الطبيعة المقيدة بأحد أفرادها وقد أريد ذلك من لفظه وأريد التعيين من غيره وقد يطلق ويراد التعيين من لفظه فيكون مجازا هذا تحقيق ما نص عليه جماعة من المحققين وهو بمكان من الظهور والوضوح وزعم الفاضل المعاصر في توجيه كون إطلاقه حقيقة على الوجه الأول أن معنى رجل مثلا حينئذ في ظرف التحليل شخص متصف بأنه رجل فالنسبة التقييدية المستفادة من المادة والتنوين تستلزم هذه النسبة الخبرية أعني النسبة في قولنا هو رجل بالحمل المتعارف فهو على حد الحمل حيث لا تجوز في شئ من طرفيه والنسبة هذا محصل كلامه وهو بعد بعده عن الأنظار المستقيمة مما لا يعرف له وجه إذ لا حاجة إلى تكلف إرجاعه إلى الحمل كما عرفت من توجيهنا مع أنه ليس بين مدلول المادة ومدلول التنوين نسبة تقييدية كما يقتضيه ظاهر كلامه لان التنوين كما عرفت موضوع للتقييد بالفرد باعتبار كونه آلة لتعرف أحوال الطبيعة وهو بهذا الاعتبار معنى نسبي يمتنع أن يحتمل نسبة لان النسبة تستدعي تصور طرفيها بالاستقلال وهذا ظاهر جدا وزعم في توجيه كونه مجازا في الوجه الثاني أن مدلول اللفظ حينئذ فرد هو الكلي لا غير بدعوى أن الكلي والفرد حقيقة واحدة وموجود واحد فيفيد حصر الكلي فيه فيلزم التجوز لان زيدا لا غير مثلا معنى مجازي للفظ رجل قال وهذا معنى قولهم إذا أطلق العام على الخاص مع قيد الخصوصية كان مجازا ثم قال فإن قلت إرادة الخصوصية من الفرد لا تستلزم دعوى انحصار الكلي في الفرد بل معناه أن هذا الشخص مع الخصوصية رجل فاستعمل اللفظ الموضوع للجز في الكل بطريق الحمل المتعارف وهو لا ينافي تحقق الرجل في غير هذا الشخص والحاصل أن اللفظ الموضوع للماهية لم يستعمل فيها بل في الفرد مع قيد الخصوصية فيكون مجازا ولا يلزم منه إفادة الحصر وأجاب عنه بأنه ناش عن الغفلة عن فهم الحقيقة والمجاز ثم أورد في بيانه كلاما حاصله أن الحقيقة عبارة عن الكلمة المستعملة فيما وضعت له استعمالا مستلزما في ظرف التحليل للحمل الذاتي كما لو علمنا أن لفظ الأسد موضوع لحيوان ولم نعلمه بعينه فإذا وصف لنا وميز وقيل هذا الأسد فهذا حمل ذاتي والمجاز عبارة عن الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له